حين يختار الفيتو الأمين العام للأمم المتحدة
حين يختار الفيتو الأمين العام للأمم المتحدة من سيحسم معركة الأمين العام للأمم المتحدة القادم، توافق آراء الدول الأعضاء أم الفيتو الذي تتحكم فيه خمس دول ( أمريكا، فرنسا، بريطانيا،…

حين يختار الفيتو الأمين العام للأمم المتحدة
من سيحسم معركة الأمين العام للأمم المتحدة القادم، توافق آراء الدول الأعضاء أم الفيتو الذي تتحكم فيه خمس دول ( أمريكا، فرنسا، بريطانيا، روسيا و الصين)؟ لا يبدو السباق على منصب الأمين العام للأمم المتحدة هذه المرة مجرد منافسة بين سبعة مرشحين على وظيفة دولية رفيعة، بل هو معركة سبعة مرشحين مع خمسة دول تمتلك حق الفيتو لاختبار قائد جديد لمنظومة الأمم المتحدة يتوافق و يتناسب مع سياساتها و أجندتها.
في وقتً تتراجع فيه المنظومة الدولية على إدارة الحروب والأزمات، وتتسع فيها الفجوة بين القوى الكبرى والدول النامية، وتتزايد الضغوط المالية والسياسية على المنظمة؟
بعد أن دخلت عملية اختيار خليفة أنطونيو غوتيريش مرحلتها الحاسمة، بدأت ملامح المعركة تتضح. فقد أجرى مجلس الأمن في 30 يوليو الماضي أول استطلاع غير ملزم وسري للمرشحين السبعة، تصدرت فيه الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان بـ10 أصوات، تلتها كارولين رودريغز بـ9 أصوات من غيانا ، ثم الأرجنتيني رافائيل غروسي بـ7 أصوات. ولا يعني ذلك أن غرينسبان حسمت السباق، إذ إن هذه الاستطلاعات تهدف أساسًا إلى اختبار قابلية المرشحين للاستمرار وكشف احتمالات الاعتراض عليهم من إحدى الدول الخمسة دائمة العضوية قبل الانتقال إلى مراحل الحسم.
وتضم القائمة الرسمية، إلى جانب ريبيكا غرينسبان ورودريغز-بيركيت وغروسي، ميشيل باشيليت من تشيلي، وماريا فرناندا من الإكوادور، وماكي سال من السنغال، وأولارا أوتونو من أوغندا. وقد بدأ المسار الرسمي للترشيحات في نوفمبر 2025، فيما من المقرر أن تنتهي ولاية غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، على أن يتولى خلفه المنصب في مطلع يناير 2026.
سباق يتحكم فيه الفيتو
المفارقة الأساسية في هذا السباق أن الأمين العام لا يُنتخب مباشرة من الدول الأعضاء الـ193. ميثاق الأمم المتحدة ينص على أن الجمعية العامة تُعيّن الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن. وهذا يمنح أعضاء المجلس الخمسة الدائمين قدرة استثنائية على التأثير في النتيجة، إذ يمكن لأي منهم إسقاط مرشح باستخدام حق النقض.
ولهذا السبب، فإن الحصول على عدد كبير من أصوات «التشجيع» في استطلاع أولي لا يكفي. السؤال الأكثر أهمية هو: من يستطيع الوصول إلى مرحلة لا يعترض فيها أي عضو دائم على ترشيحه؟
وتزداد حساسية المعادلة في لحظة تواجه فيها الأمم المتحدة أزمات متزامنة في أوكرانيا وغزة والشرق الأوسط، وتراجعًا في التمويل، وتنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى، فضلًا عن صعود أطر دولية بديلة مثل مجلس السلام الذي أطلقه ترامب بشأن الوضع في غزة و مجموعة العشرين و مجموعة G7. وفي ظل هذا الواقع، لن يكون التحدي أمام الأمين العام المقبل إدارة المنظمة فحسب، بل محاولة استعادة جزء من قدرتها على التأثير في الساحة الدولية.
لماذا أمريكا اللاتينية هذه الدورة؟
هناك عامل جغرافي مهم في هذه المنافسة. فعلى الرغم من عدم وجود قاعدة رسمية تفرض تناوبًا إقليميًا على منصب الأمين العام، نشأ عرف أُممي غير مكتوب يجعل التوزيع الجغرافي أحد الاعتبارات المهمة في اختيار الأمين العام. ولهذا يُنظر إلى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي باعتبارهما صاحبتَي أفضلية في الدورة الحالية. وقد كان آخر أمين عام من المنطقة هو البيروفي خافيير بيريز دي كوييار، الذي تولى المنصب بين 1982 و1991.
لكن هذا «الدور» الإقليمي لا يعني أن المرشح القادم سيكون بالضرورة من أمريكا اللاتينية. فالقرار النهائي يبقى رهينة التوافق داخل مجلس الأمن، ولا سيما بين القوى الخمس الدائمة العضوية.
جنيف المدينة التي تُشكل وجدان المتنافسين
في هذه المعركة، تبرز جنيف بصورة لافتة كنموذج لمدرسة الدبلوماسية الدولية، و جنيف ليست مجرد مقر ثانٍ للأمم المتحدة، وإنما واحدة من أهم مختبرات النظام متعدد الأطراف في العالم. فهي تحتضن نحو 40 منظمة دولية، وأكثر من 180 بعثة دائمة، ومئات المنظمات غير الحكومية، إلى جانب مؤسسات ومعاهد بحثية وأكاديمية وشبكات دبلوماسية واسعة. كما تعمل فيها منظومة كبيرة من هيئات الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة والآليات الدولية.
ومنذ عهد عُصبة الأمم، أصبحت جنيف مساحة يلتقي فيها الدبلوماسيون والخبراء والمنظمات الإنسانية والاقتصادية والحقوقية. وفيها تتقاطع ملفات التجارة والصحة والعمل وحقوق الإنسان واللاجئين ونزع السلاح والملكية الفكرية والاتصالات والمساعدات الإنسانية.
ولذلك ليس مفاجئًا أن يكون معظم المرشحين الحاليين قد مروا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر دبلوماسية جنيف.
ترأست ريبيكا غرينسبان ، من كوستاريكا، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) على مدى السنوات الست الماضية؛ وشغلت ميشيل باشيليت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لمدة أربع سنوات؛ وترأست كارولين رودريغز مكتب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في جنيف لمدة ثلاث سنوات. وكانت ماريا فرنانديز من الإكوادور ورافائيل ماريانو غروسي من الأرجنتين سفيري بلديهما لدى الأمم المتحدة في جنيف؛ وترأس أولارا أوتونو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على الرغم من أنه لم يكن مقيماً في جنيف. وحتى لا ننسى، فإن الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، كان موظفاً في الأمم المتحدة في جنيف لفترة طويلة وسبقه كوفي عنان الذي كان أحد المواطنين الأوفياء لمدينة جنيف.

لكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: هل تكفي الخبرة الدبلوماسية لتصبح أميناّ عاماّ أم أن الكلمة الأخيرة للفيتو؟
تدخل ريبيكا غرينسبان المرحلة الحالية بوصفها صاحبة أفضل نتيجة في أول استطلاع لمجلس الأمن. وهذا يمنحها دفعة قوية، لكنه لا يحسم شيئًا.
تتمتع الخبيرة الاقتصادية الكوستاريكية بخبرة طويلة في منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما في ملفات التجارة والتنمية والاقتصاد العالمي. كما ارتبط اسمها بملفات دولية حساسة، بينها تداعيات الحرب في أوكرانيا والأمن الغذائي والاقتصاد الفلسطيني.
لكن التحدي أمامها هو تحويل الخبرة الاقتصادية والتنموية إلى مشروع سياسي مقنع لمنصب الأمين العام. فالأمم المتحدة اليوم لا تحتاج إلى مدير إداري فقط، ولا إلى اقتصادي عالمي فحسب، وإنما إلى شخصية قادرة على التحدث مع واشنطن وبكين وموسكو في آن واحد، وعلى إدارة الانقسامات داخل الجمعية العامة ومجلس الأمن، مع الحفاظ على مصداقية المنظمة لدى الدول النامية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي حول غرينسبان ليس ما إذا كانت تستطيع إدارة مؤسسة دولية، بل ما إذا كانت تستطيع إدارة التناقضات السياسية التي تشل المؤسسة.
باشيليت: قوة أخلاقية وكُلفة جيوسياسية
تمتلك ميشيل باشيليت رصيدًا دبلوماسيا وسياسياّ مختلفًا. فهي رئيسة سابقة لدولة تشيلي، وطبيبة، وشخصية ارتبط اسمها بقوة بملفات حقوق الإنسان، كما شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لكن سجلها الحقوقي قد يكون في الوقت نفسه مصدر قوتها ونقطة ضعفها السياسية.
خلال ولايتها كمفوضة سامية، اصطدمت مواقفها بقوى كبرى في قضايا شديدة الحساسية، بما فيها الصين والولايات المتحدة. وقد أثار تقرير مكتبها حول أوضاع حقوق الإنسان في شينجيانغ ردود فعل قوية من بكين، بينما لم تتطابق بعض مواقفها مع المقاربة الأمريكية في ملفات حقوقية أخرى.
في عالم مثالي، يفترض أن تكون الاستقلالية الحقوقية ميزة للمرشح لمنصب الأمين العام. أما في عالم مجلس الأمن، فقد تتحول الاستقلالية نفسها إلى عقبة إذا رأت إحدى القوى الكبرى أنها تشكل مخاطرة سياسية.
غروسي: خبرة الأمن في مواجهة سؤال النزاهة
يأتي رافائيل غروسي من زاوية مختلفة تمامًا. فخبرته الطويلة في الدبلوماسية الدولية، ولا سيما رئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمنحه معرفة مباشرة بواحد من أكثر الملفات حساسية في العالم: الانتشار النووي والأمن الدولي.
وقد يكون ذلك عنصر قوة في مرحلة تتزايد فيها المخاطر النووية وتعود فيها قضايا الردع والتسلح إلى مركز السياسة الدولية.
لكن ترشحه يطرح سؤالًا سياسيًا آخر يتعلق بالفصل بين الوظيفة الدولية والحملة الانتخابية. فغروسي يخوض السباق بينما لا يزال على رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي يضعه أمام تدقيق أكبر في كيفية إدارة الموارد والوقت والمسؤوليات.
الأمين العام المقبل و تحديات المرحلة
الأمين العام الذي سيخلف غوتيريش لن يدخل إلى منظمة مستقرة تنتظر مديرًا جديدًا، بل إلى مؤسسة تواجه أزمة ثقة وأزمة موارد وأزمة شرعية سياسية في الوقت نفسه.
مجلس الأمن نفسه يعاني من الانقسام، والجمعية العامة تكافح لتحويل الأغلبية العددية إلى نفوذ سياسي فعلي، فيما تتعرض المنظمات الدولية لضغوط مالية متزايدة. وفي الخارج، تتصرف القوى الكبرى بصورة أكثر استعدادًا لتجاوز المؤسسات متعددة الأطراف عندما تتعارض قواعدها مع مصالحها المباشرة.
في الظاهر، هناك سبعة مرشحين يتنافسون على منصب واحد. أما في العمق، فهناك خمسة أعضاء دائمين يحاولون ضمان ألا يصل إلى قمة الأمم المتحدة شخص يعتبرونه تهديدًا لمصالحهم، حوالي 188
دولة أخرى تريد أن ترى في الأمين العام المقبل صوتًا أكثر قدرة على تمثيل نظام دولي متعدد الأطراف يتعرض لضغوط غير مسبوقة.
ولهذا فإن اختيار الأمين العام المقبل سيكون، في جانب منه، تصويتًا على نوع الأمم المتحدة التي يُريدها العالم.,

