المؤسس ورئيس التحريرطه يوسف حسن
Publishing Since 2021جنيف، سويسرا
← العودة إلى الأخبار
Global Media News

إِنَّهم يَغْتالُونَ الجِيَاد

إِنَّهم يَغْتالُونَ الجِيَاد خارج أسوار الجهاز التنفيذي، وعلى هامش المشهد الرسمي، تجلس أعداد كبيرة من الخبرات والكفاءات السودانية بالخارج، على رصيف الأمل تنتظر فرصةّ تُتيح لها أن…

إِنَّهم يَغْتالُونَ الجِيَاد

إِنَّهم يَغْتالُونَ الجِيَاد

خارج أسوار الجهاز التنفيذي، وعلى هامش المشهد الرسمي، تجلس أعداد كبيرة من الخبرات والكفاءات السودانية بالخارج، على رصيف الأمل تنتظر فرصةّ تُتيح لها أن تقدم عُصارة ما اكتسبته من علم وتجربة للوطن. كثيرون منهم لا يبتغون في ذلك جزاءً ولا شكورًا؛ لا يسعون إلى وزارة، أو سيارة فارهة، ولا سكرتيرة ولا منزلاّ مؤجر بآلاف الدولارات على نفقة الدولة.

إنها دوافع وطنية خالصة دفعت هؤلاء إلى التفكير في المساهمة في بناء الدولة عبر تسخير خبراتهم لخدمة الوطن، بعد سنوات طويلة قضوها في بلاد المهجر، تراكمت خلالها تجارب ومعارف يمكن أن تمثل إضافة حقيقية لمسيرة بناء الدولة.

لكن من سخريات القدر أن تُغلق الأبواب في وجوه هذه النُخبة، بينما تُفتح الأبواب على مصرعيها أمام من لا يملكون من مقومات الإدارة والقيادة إلا الولاء السياسي، والهتاف، والعلاقات الشخصية.

يبدو أنَّ السلطات السودانية لا تزال أكثر ميلًا إلى استرضاء السياسيين العاطلين فكرياّ وذهنياّ، وأصحاب الهتافات والظهور الإعلامي، من الاستفادة من العقول والكفاءات التي يمكن أن تصنع الفارق.

النُخب السودانية في الخارج ليست مجرد كفاءات وخبرات، إنها Think Tank وطني هائل، يحمل في خبراته ومعارفه وتجربته المهنية كثيرًا من الأدوات والأسباب التي يمكن أن تسهم في إنقاذ مؤسسات الدولة وإعادة بناء الاقتصاد والتعليم والصحة والدبلوماسية والإدارة وغيرها من القطاعات الحيوية.

لكن بعض هذه الكفاءات وصل إلى قناعة مؤلمة أن فرصته داخل السودان تكاد تكون معدومة، بسبب تزاحم المُتسلقين وأصحاب الولاءات على كراسي السلطة.

ومع ذلك، لم تستسلم هذه النُخبة، حاول كثيرون منهم خدمة السودان من أبواب أخرى؛ فتقدم بعضهم لشغل مناصب رفيعة في المنظمات الإقليمية والدولية، ليس بحثًا عن مجد شخصي، وإنما لإثبات أن السودان لا يزال حاضرًا، وأن الإنسان السوداني قادر على تمثيل بلاده والمنافسة في الساحات الدولية.

لكنهم، في كثير من الأحيان، لم يجدوا الدعم الكافي من دولتهم، ولم يجدوا «رُكنًا شديدًا يأووا إليه».

ومن الأمثلة المؤلمة ما حدث في انتخابات منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي(OIC) التي انعقدت في جدة بالمملكة العربية السعودية مؤخرًا.

وفقًا لمعطيات المشهد كان السودان يملك مُرشحًا يتمتع بخبرة طويلة ومعرفة عميقة بدهاليز و أروقة المنظمة، هو السفير طارق بخيت، الذي أمضى سنوات طويلة في العمل داخل منظمة التعاون الإسلامي، ويشغل منذ عام 2018 منصب الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية والثقافية، وهو منصب رفيع جرى التجديد له لدورتين متتاليتين دون منافسة.

هذه الخبرة الطويلة، إلى جانب الحضور الدبلوماسي والكاريزما والعلاقات التي بناها الرجل داخل المنظمة، كانت تمنحه، من وجهة نظر كثيرين، مقومات قوية لخوض المنافسة على منصب الأمين العام.

لكن الحسابات الشخصية، والمجاملات، والتخبط في إدارة الملف الدبلوماسي أهدرت فرصة كان يمكن أن تُعزز حضور السودان في قيادة المؤسسات الدولية، حيث تم ترشيح السفير إدريس إبراهيم فرج الله بدلاّ من السفير طارق بخيت، والأكثر إثارةّ للاستغراب أن السودان، بعد أن تقدم بمرشح رسمي للمنصب، لم يمضِ في دعمه حتى النهاية، واتجه بدلًا من ذلك إلى دعم المرشح الموريتاني، إسماعيل ولد الشيخ أحمد وزير الخارجية السابق ،هكذا تضيعُ الفرص حين تتقدم الحسابات الضيقة على المصلحة الوطنية.

ومن النماذج التي تختصر حجم المأساة، قصة البروفيسور حسن عبد الحليم عبد الله سيد أحمد، أستاذ الفيزياء وعميد كلية سابق بجامعة الخرطوم، الذي اضطر إلى بيع الخضار في شوارع القاهرة، وفي الوقت الذي كان فيه البروف حسن يكُافح من أجل البقاء، كانت الدولة ــ في عَالَمْ آخر ــ منشغلة في تكريم أصحاب الضجيج، ومتسلقي السلم السياسي، وأصحاب المنابر الإعلامية العابرة، بدل أن تجعل العلم والخبرة والكفاءة معيارًا للتقدير والتكريم.

وعندما علمت ألمانيا بأن السودان يلفظ الخبرات و الكفاءات السودانية و يلغي بها في الرصيف تعاقدت مع تلك الخبرة النادرة في إحدى أعرق الجامعات الألمانية، فصار البروف حسن من بائع خضار في حي فيصل بالقاهرة إلى أستاذ جامعي في أعرق الجامعات الألمانية.

و المأساة تبدأ عندما ينظر المسؤول إلى صاحب الكفاءة باعتباره منافسًا له في الوظيفة و الراتب و المخصصات، بدلاّ أن ينظر إليه موردًا وطنيًا ينبغي الاستثمار فيه، وفي المقابل، يجد أصحاب الولاءات والمصالح والهتافات طريقًا ممهدًا إلى مواقع صناعة القرار.

ليس بالضرورة أن يكون كل صاحب الكفاءة وزيرًا، أو مستشارًا، أو مسؤولًا تنفيذيًا أو دستوريًا، ولكن بالضرورة أن تُفتح لهم الأبواب المؤصدة ليساهموا في بناء الدولة عبر مبدأ الرأي و المشورة، يمكن أن يكون مستثمرًا، ومستشارًا Remote Advise، وأستاذًا زائرًا في الجامعات، وشريكًا في المشاريع، ومَصدرًا للمعرفة والتكنولوجيا، وجسرًا بين السودان و المؤسسات الدولية.

هناك آلاف الطرق التي يمكن من خلالها أن يخدم السوداني وطنه دون أن يجلس خلف مكتب حكومي.

كل ما يحتاجه هؤلاء هو أن تفتح الدولة الأبواب أمامهم، و تمنحهم الفرصة لأداء واجبهم الوطني وأن تنظر إليهم باعتبارهم رصيدًا وطنيًا لا منافسين سياسيين, إنهم لا يطلبون راتبًا بالدولار، ولا سيارة حكومية، ولا حرسًا، ولا مكتبًا فخمًا ، يريدون فقط فرصة, فالأوطان لا تُبنى بالهتاف، ولا بالمجاملات، ولا بالولاءات الشخصية, الأوطان تُبنى بالعقول.




اكتشف أقسامنا الأخرى