الفلَّاح السويسري ولغُز الفراعنة في السودان
الفلَّاح السويسري ولغُز الفراعنة في السودان بدأت مغامرة الفلّاح السويسري شارل بونيه من ضواحي جنيف، وتحديدًا من منطقة ساتينيه (Satigny)، حيث نشأ بونيه في الريف السويسري بعيداّ عن…

الفلَّاح السويسري ولغُز الفراعنة في السودان
بدأت مغامرة الفلّاح السويسري شارل بونيه من ضواحي جنيف، وتحديدًا من منطقة ساتينيه (Satigny)، حيث نشأ بونيه في الريف السويسري بعيداّ عن أجواء المغامرات الأثرية الكبرى. ولكنه تحول إلى عالم آثار بمحض الصدفة بعد أن عثر على آثار رومانيه في مزرعته العائليه في ضاحية ساتينيه (Satigny)، وهكذا تحوّل اهتمامه من الأرض التي تُنبت الكروم إلى الأرض التي تحفظ أسرار الحضارات.
وبرغم غضب الطبيعة و غضب السياسة إلى أنّ السويسري شارل بونيه قضى أكثر من 50 عاماّ أي أكثر من نصف قرن في السودان يُنقب في كنوز الأرض في منطقة كرمة النوبية التي جعل منها نافذة حضارية أطلّ منها العالم على عظمة واحدة من أعرق حضارات أفريقيا.
مبادرة ثلاثة أصدقاء جامعيين من بينهم شارل بونيه قرروا مواصلة المغامرة الجامعية بالقيام بأبحاث أثرية في مصر أولاً ثم تطورت الفكرة للقيام بذلك في السودان. بعد دراستهم للتاريخ المصري وجدوا أن هناك حلقة غائبة في تاريخ الحضارة الفرعونية,فقرروا القيام بمغامرة من أجل البحث عن هذه الحلقة وقد شكل اختيار المغامرين لأرض السودان مثار استغراب ودهشة للكثير مِنْ مَنْ يؤمنون بأن أرض الحضارة هي مصر وأن التنقيب في السودان هو عبثٌ بلا جدوى.
بعد زيارتهم للسودان غادر المغامرون السويسريون السودان و ظلَّ شارل بونيه مُتمسكاً بأرض النوبة لقناعته بأن هذه الأرض هي منبت الحضارة فكانت المفاجأة بعد تنقيب مستمر أنَّ مملكة كرمة كانت تعيش فترة حضارية ما بين 2500 و1500 قبل الميلاد. وهي الفترة التي“عُرفت فيها المملكة بقوتها وسطوتها وجبروتها كانت حدودها تمتدُ داخل الأراضي المصرية، رغم أن سكانها رُعاة يملكون قطعاناً من الماشية، إلا أنّهم كانوا مقاتلين بواسل ورماة نبال أقوياء أقدَمَ الفراعنة على تجنيدهم ضمن جيوشهم في حروب المنطقة”.
أجاد شارل بونيه اللغة العربية بلكنةٍ فرنسية، و درس الحضارة السودانيه وتحدث النوبية كأهلها، و من خلال تنقيبه وبحوثه إكتشف أنَّ الحضارة السودانية هي من أوائل الحضارات التي عرفها تاريخ البشرية وأن فراعنة السودان السود قد حكموا مصر وفلسطين إلى حدود العراق وأن أرض الحضارة الفرعونية هي منطقة جنوب الوادي في السودان .
بدأت مغامرة عالم الآثار السويسري أنذاك عام 1965 في ظروف صعبة للغاية حتى أنَّ الطريق المعبدة الرابطة بين الخرطوم و دنقلا والبالغ طولها أكثر من 550 كيلومتر لم يتم تعبيدها وتدشينها إلا في نهاية العام 2007! و يُذكر شارل بونيه “بأن السفر من الخرطوم إلى تابو بالقرب من كرمة، كان مرهقاّ بسبب صعوبة التنقل عبر طُرق رملية وعرة تستغرق الرحلة عدة أيام و أحياناً أسابيع”، لكن، برغم مشاكل التأقلم مع الظروف المناخية، و غضب الطبيعة استطاع شارل بونيه وفريق عمله التعمق و التوغل في شريان الماضي التاريخي لهذا البلد.

وخلال مسيرته المهنية التي كرّسها للتنقيب في آثار السودان، اكتشف العالم السويسري، قصر ملكي، ومعابد، ومقبرة في منطقة الديفوفة الشرقية، دُفن بها ملوك و حُكّام، و بصبره و خبرته ومهارته أزاح شارل بونيه الستار عن طقوس مقبرة يعود تاريخها إلى 2500 عام قبل الميلاد، كما عثر على تماثيل الفراعنة السبعه المكتشفة في دكّي جل مثل تهارقا وتانوت آمون وسنكامنسكن وأنلاماني وأسبلتا، و تُعد من أعظم إنجازاته ولكن مملكة كرمة التي امتدت لأكثر من 1000 كيلومتر على طول نهر النيل، استولت في مراحل من تاريخها على أجزاء من مصر.
“السودان هو سِر أفريقيا، وأصل الحضارة،” هكذا وصف شارل بونيه أرض تهراقا و للأسف لم يَعي السودانيون هذه الكلمات و لم يعطوا الرجل الذي إكتشف الشخصية الحضارية للسودان و لا الحضارة المُكتشفة حقها و قدرها كما فعل المصريون.
لعب شارل بونيه دورًا محورياً في التعريف بمعبد الإله آمون، وكذلك معبد الإله الأسد أو (أباداماك) الذي يبعد حوالي 170 كيلو متر إلى الشمال الشرقي من الخرطوم، ونبّه الأكاديمي السويسري شارل بونيه الباحثين إلى أن (أباداماك)، إله الحرب عند النوبيين القدماء، كان رمزاّ للديانه المعارضة للآلهة الأخرى.
وفي العصر الحديث استخدم كثير من السياسين اسم (أباداماك) كرمز لمعارضة النظام السياسي.
وقد حكم هذه المملكة النوبية بعد ألف سنة من قيامها أي في حدود 700 قبل الميلاد، ملوك استطاعوا بسط نفوذهم على كامل منطقة النوبة وعلى مناطق من مصر. و يؤكد شارل بونيه “إنهم استطاعوا حتى الدفاع عن مصر ضد هجمات الآشوريين”.
أتى شارل بونيه إلى السودان مُغامراً للبحث عن آثار مصر في السودان لكنه إكتشف بأن تاريخ الفراعنة يبدأ من السودان و يمتد إلى مصر وليس العكس، وحجته في ذلك“هو العثور على معبد ذي هندسة دائرية في كرمة مثل ما هو موجود في روما أو اليونان، ولكن لا يوجد شبيه لهذا المعبد في مصر أو على إمتداد وادي النيل”.
أكبر إنجاز حققته البعثة السويسرية في كرمة بقيادة شارل بونيه تَمثَّل في العثور على التماثيل السبعة المعروفة بـ “الفراعنة السود”، أي كبار ملوك الفراعنة الذين حكموا النيل من السودان حتى مصر بل و إمتدت مملكتهم إلى فلسطين.
في إحدى زيارتي له في منطقة كرمة و كنّا ضيوف في بيته المتواضع في أبورقيق مع إثنين من الصحفيين السويسريين، سأله أحدهم عن أصل الحضارة الفرعونيّة هل كانت في شمال الوادي في مصر أو جنوب الوادي في السودان ، أجابه شارل بونيه بذكاء « من حيث يجري النيل نبتت الحضارة الفرعونيّة »
فحين يجري النيل، لا تحمل مياهه الحياة وحدها، بل تحمل أيضًا حكايات الملوك والشعوب والحضارات. وفي كرمة، ما زالت الأرض تهمس بتاريخ السودان؛ تاريخٍ لم ينتهِ اكتشافه بعد.

